أبي نعيم الأصبهاني
86
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ترى حال من كثرت ذنوبه ، وضعف عمله وفنى عمره ، ولم يتزود لمعاده ، ولم يتأهب للموت ، ولم يخضع للموت ، ولم يتشمر للموت ، ولم يتزين للموت ، وتزين للدنيا ، هيه . وقعد يحدث - يعنى نفسه - واجتمعوا حولك يكتبون عنك ، بخ فقد تفرغت للحديث ، ثم قال : هاه - وتنفس طويلا - ويحك أنت تحسن تحدث ، أو أنت أهل أن يحمل عنك ، استحيى يا أحمق بين الحمقان ، لولا قلة حيائك وسفاهة وجهك ما جلست تحدث وأنت أنت ، أما تعرف نفسك ؟ أما تذكر ما كنت : وكيف كنت ؟ أما لو عرفوك ما جلسوا إليك ، ولا كتبوا عنك ، ولا سمعوا منك شيئا أبدا ، فيأخذ في مثل هذا ، ثم يقول : ويحك أما تذكر الموت ؟ أما للموت في قلبك موضع ؟ أما تدرى متى تؤخذ فيرمى بك في الآخرة فتصير في القبر وضيقه ووحشته ، أما رأيت قبرا قط ؟ أما رأيت حين دفنوه ؟ أما رأيت كيف سلوه في حفرته وهالوا عليه التراب والحجارة ، ثم قال : ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله - يعنى نفسه - تدرى من تكلم بفقه كله ، عمر بن الخطاب كان يطعمهم الطيب ويأكل الغليظ ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ، وكان يعطيهم حقوقهم ويزيدهم ، أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده ألفا ، فقيل له : ألا تزيد أخيك وكما زدت هذا ؟ قال : إن أبا هذا ثبت يوم أحد ولم يثبت أبو هذا . * حدثنا محمد بن علي ثنا أبو سعيد الجندي ثنا إسحاق بن إبراهيم قال : ما رأيت أحدا أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل ، كانت قراءته حزينة شهية بطيئه مترسلة كأنه يخاطب إنسانا ، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة تردد فيها ، وسأل ، وكانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعدا ، تلقى له حصير في مسجده فيصلى من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه ، فيلقى نفسه على الحصير فينام قليلا ، ثم يقوم فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم هكذا حتى يصبح وكان دأبه إذا نعس أن ينام ويقال أشد العبادة ما يكون هكذا ، وكان صحيح الحديث صدوق اللسان شديد الهيبة للحديث ، إذا حدث ، وكان يثقل عليه الحديث جدا ، ربما قال لي : لو أنك تطلب منى الدراهم كان أحب إلى من أن